أدب

قلب في حقيبة يد

قلب في حقيبة يد
بقلم: د.أحمد أمين

 

قلب في حقيبة يد
بعض الطرق لا تصل لشئ
ولذلك عندما تدرك أنك في طريق مسدود أو وجهته غير وجهتك
فعليك بالرجوع فورًا ومن غير تردد
ربما تصبح فرصتك للنجاة أفضل

مقالات ذات صلة

هذا ما أدركته متأخرًا بعد سنوات من زواجي الأول
كنت قد قاربت على بداية الخمسين من عمري
كهل متزوج بدون ولد وحياته رتيبة مملة
وكنت أراجع نفسي كل عدد من السنوات
فأقرر الإستمرار

ما قيمة عجوز مثلي متدلي البطن
ربما لا يدرك في حياته حرفة أو مهارة
بلا وسامة ظاهرية ولا مال وفير
فقط تتناثر شعيرات خفيفة فوق مقدمة رأسه
كنت أكره الصباح حين أدرك أنني لابد لي من مواجهة مرآتي
حتى عزفت تلقائيًا عن غسيل أسناني

وكانت طليقتي تتفضل علي بالعيش معي
تخبرني في كل يوم أنها أكرمتني حين إستمرت في الحياة مع عجوز كئيب
لا يغري فيه مال أو جمال أو صحة
أنفاسه مثل دخان قاطرة بخارية
ومظهره الأصلع يوحي أنه بطل كاريكاتير الصباح في أحد الجرائد اليومية

أحيانًا يكون الإستسلام هو فرصة نجاتك الوحيدة
خبرني بالله عليك
لو إضطرب بك الموج في بحر عاصف
في ليلة ظلماء والأهوال من حولك
ما الذي يدفعك للمقاومة
وما هي فرصة نجاتك
وما هو السبب الذي يجعلك تصارع حتى يقتلك التعب
والموت في النهاية سيفوز بك

في الأفلام الهوليودية ذات النزعة العنصرية
يكون على البطل أن ينقذ الأرض كلها من خطر ما
وربما يكون هو الناجي الوحيد
يصارع قوى عظمى وكائنات فضائية من أجل لاشئ
أو يكتبون لك مسلسل درامي من عدة أجزاء عن صراع ضد الموتى الأحياء
بمنتهى الصراحة لا أعرف سبب تلك الحرب الخاسرة
لو إستسلم البطل من البداية لكان خير له
لماذا هذه الحرب الخاسرة بالتأكيد
ربما هي لمصلحة المنتج فقط
ربما

حتى جاء يوم شعرت فيه أنني لابد أن أواجه نفسي
لابد أن أعترض ولو على شئ تافه
ولكن ربما لو إعترضت لشعرت بقيمتي ووجودي
يومها أفقت من نومي بعد العصر وحرصت على غسيل أسناني جيدًا
كان الغداء على طاولة المطبخ
أمسكت صحني ونظرت فيه
أنا مبحبش الورك يا هناء
هكذا أخبرتها فنظرت لي في لامبالاة وأكملت طعامها في هدوء
وهي تتمتم ما أنت كل مرة بتاكله وأنت ساكت
إبتسمت لها وقلت … هناء إنتي طالق

ورحلت في سرعة
أنا اليوم بطل
فعلت ما يستوجب علي فعله منذ ربع قرن
ذهبت إلى شقة والدتي القديمة
ليس من العدل أن ترحل هي
سأعيش هنا بين رائحة أبوي وآثارهما

حتى جاءت تلك الوعكة الصحية
لحسن الحظ أنني كنت على القهوة مع بعض أصحاب الطفولة
حين باغتني ذلك الألم الذي إعتصر صدري
في المستشفى أخبروني أنها ذبحة صدرية
يومان في العناية ثم قائمة من الأدوية
وممنوعات حتى تعتقد أن لاشئ مسموح لك

ولا أكذبك حديثًا حين أخبرك أن هذه الأيام هي أروع ما عشت يومًا
حين قابلتها
كانت تعاملني غير الجميع وتهتم لأمري
وليس ذلك لكونها الطبيبة المعالجة
بل لأنها إنسانة
وتحمل قلب من ذهب

ولأجلها
كنت أتجرع أدويتي في إستمتاع ولهفة
وإمتنعت عن التدخين تمامًا
وكان الطعام المسلوق في فمي يشبه أطعمة الملوك في المسلسلات التاريخية
وكنت أرى كل قبيح في يتحول إلى جمال
كانت تخبرني أن صلعة الرجل هي عنوان لذكاؤه وهرموناته المفرطة
وبطني المتدلي هو رمز للأمان وطيبة القلب

كانت كما علمت منها متزوجة من بطل مصارعة أوليمبية
كان زميلًا لها في دراسة الطب ثم إتجه هو للرياضة والبطولات
كانت وردة مزهرة وكان الجميع يتمناها
وهي لم ترجو غيره

ورغم تعلقها به
وقصة الحب التي كانت مضربًا للأمثال
إلا أنه لم يكف يومًا عن إحباطها وقتل طموحها والتقليل من شأنها
رغم أنها كانت إمرأة عاملة و ربة منزل ماهرة بالإضافة لقضائها كل ما يتطلبه المنزل من إحتياجات
لأنه إما في بطولة أو لا يفارق المنزل والتمرين
وفي يوم ما أدركت أنها زرعت في المكان الخاطئ
فرحلت

أن ترحل متأخرًا خير من ألا ترحل
هكذا أجبتها

واليوم وهي تسير بجواري
متعلقة في ذراعي وتكاد قدمانا لا تلامس الأرض
وقد مر على زواجنا عامين وثلاثة أيام وبضع ساعات
أشعر أنني أكثر الرجال حظًا على وجه الأرض
فلم نفارق بعضنا البعض لمجرد لحظة
حتى أن الكل يسأل
فأجلس في هدوء وأتكلم بمنتهى الحكمة وهي بجواري
هذه الطبيبة جاءها قلبي يحتضر
ومن ساعتها عالجته وإحتفظت به في حقيبة يدها
تلك الطبيبة أحيت قلبي وجعلته معها للأبد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى